كيف تحولت القفة الوطنية إلى ضحية للأسواق الدولية؟

يجد القطاع الفلاحي المغربي نفسه اليوم أمام اختبار صحفي واقتصادي حارق فبينما تشرع الأسواق الأوروبية والأفريقية أبوابها لاستقبال أطنان من الخضروات والفواكه المغربية عالية الجودة يكتوي المواطن محليا بلهيب أسعار المواد الأساسية التي تشكل عماد قفته اليومية، كالبطاطس والبصل والطماطم وهذه الفجوة المؤلمة بين صورة المغرب كـ “بستان لتصدير المنتجات الفلاحية” وبين واقع الغلاء في الأسواق الوطنية تعيد طرح سؤال السيادة الغذائية بقوة وتكشف عن اختلال في ترتيب الأولويات التنموية بين جلب العملة الصعبة وتأمين القوت اليومي للمواطن بسعر عادل إن الخطورة في هذه المعادلة لا تقف عند حدود الضغط على القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والوسطى فحسب بل تمتد لتسليم ثروات البلاد المائية الهشة لخدمة أسواق خارجية ففي ظل موجات الجفاف الإجهادي والتغير المناخي المتعاقبة يُصبح التصدير المكثف للزراعات المستهلكة بكثرة للمياه بمثابة “تصدير غير مباشر للماء المقنع” كما أن استنزاف الفرشاة المائية والسدود الوطنية من أجل ضمان تدفق المنتجات المبكرة نحو الموانئ باليورو والدولار يضع الاستدامة البيئية الوطنية في الميزان ويحرم السوق المحلي من حق التمتع بالوفرة والميزة التنافسية لمنتجات أرضهم جهة أخرى تسهم الاختلالات الهيكلية في مسالك التوزيع في تعميق هذه الأزمة إذ يفضل كبار المستثمرين والفلاحين التوجيه الكلي للإنتاج نحو الأسواق الخارجية المضطردة النمو مما يقلل حجم المعروض الموجه للأسواق الوطنية وعندما تنخفض الكميات المعروضة محليا تدخل شبكات المضاربة والوساطة أو ما يعرف بـ “الشناقة” لتتلقف المنتجات داخل أسواق الجملة وتضاعف أسعارها مرات عدة قبل وصولها للمستهلك النهائي وتظل التدخلات الحكومية الظرفية مثل التقييد المؤقت لتصدير بعض المواد مجرد حلول ترقيعية ومسكنات لا تعالج أصل الداء إن الحفاظ على المكاسب الاستراتيجية للتصدير الفلاحي أمر حيوي للاقتصاد الوطني غير أن ذلك لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن المواطن الغذائي والمائي كما أن السيادة الغذائية الحقيقية لأي بلد لا تقاس بالأرقام القياسية في سجلات الجمارك وموازين التصدير بل باستقرار أسعار القفة في السوق الأسبوعي الشعبي إن المطلوب اليوم هو صياغة تعاقد فلاحي جديد يجعل من تغطية السوق الوطني بالوفرة والجودة والعر العدل أولية قسوى لا تقبل المساومة ليظل التصدير خيارا استراتيجياً قائما على الفائض لا على إفراغ الأسواق الوطنية

س /

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى