سبتة تفضح الوصفة الإسبانية في مدريد .. عندما تهرب كاميرا القناة الاسبانية من الغضب ويهتف الشارع: الصحافة الإسبانية مُضلِّلة

يبدو أن سبتة المحتلة قررت هذه المرة أن تذهب بنفسها إلى مدريد لا بجواز سفر ولا عبر معبر حدودي وإنما على أكتاف الغضب الذي خرج إلى الشارع الإسباني فمئات المحتجين الذين تجمعوا بمحيط مجلس النواب الإسباني احتجاجاً على الأوضاع التي تعيشها المدينة لم يتركوا كثيراً من المساحة للخطاب الرسمي المطمئن وحوّلوا المشهد إلى احتجاج صاخب على طريقة تدبير ملف سبتة وما يحيط به من أزمات وفي خضم هذا المشهد المتوتر وجد صحفي تابع للتلفزيون الإسباني الرسمي نفسه في موقف لا يُحسد عليه بعدما كان يحاول نقل أجواء الاحتجاج مباشرة فإذا بالاحتجاج نفسه ينقلب عليه وفجأة ارتفعت أصوات المتظاهرين مرددة شعار الصحافة الإسبانية مُضلِّلة في مشهد لا يخلو من المفارقة: الكاميرا جاءت لتنقل الغضب فإذا بها تصبح هي نفسها موضوعاً للغضب والأكثر إثارة للمفارقة أن الصحفي لم يكن في ساحة حرب ولا في منطقة نزاع مسلح بل على مرمى حجر من البرلمان الإسباني ومع ذلك اضطر إلى الابتعاد وسط الحشود قبل أن تتدخل الشرطة الوطنية لمرافقته وإبعاده عن المتظاهرين يا لها من مفارقة إعلامية صحفي جاء ليغطي الاحتجاج فإذا به يحتاج إلى حماية الشرطة أثناء محاولته مغادرة المكان ولعل مدريد ستحتاج بعد هذا المشهد إلى تفسير هذه المعادلة العجيبة كيف يمكن لمدينة يُقال إنها إسبانية بالكامل أن تصدّر كل هذا القلق إلى العاصمة؟ وكيف يمكن لملف يُقدَّم باستمرار على أنه محسوم تاريخياً وسياسياً أن يظل قادراً على إشعال الاحتجاج كلما عاد إلى واجهة النقاش؟ المشكلة بالنسبة إلى الخطاب الإسباني التقليدي أن المغرب حاضر تقريباً في كل حديث عن ثغري سبتة ومليلية حتى عندما لا يكون حاضراً في المكان فإذا ارتفعت الأسعار ذُكر المغرب وإذا تعطلت حركة العبور ذُكر المغرب وإذا اشتد القلق الأمني عاد المغرب إلى الواجهة وإذا ظهرت أزمة سياسية يصبح المغرب فجأة ضيفاً دائماً على نشرات الأخبار الإسبانية ولو من دون دعوة وهكذا تحولت صورة المغرب في جزء من الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني إلى شماعة جاهزة كلما تعقدت الأمور يكفي استحضار المغرب ثم يمكن للجميع العودة إلى بيوتهم مطمئنين وكأن الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والمشاكل الاجتماعية اختفت فجأة من المشهد لكن يبدو أن هناك مشكلة صغيرة في هذه الوصفة الشارع نفسه بدأ يطرح الأسئلة وهذا هو السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً من أي تصريح صادر عن الرباط فمدريد تستطيع الرد على الرباط وتستطيع إصدار البيانات وتستطيع الدفاع عن روايتها السياسية لكنها ستجد صعوبة أكبر في إقناع محتجين يقفون أمام البرلمان بأن كل شيء على ما يرام أما قصة سبتة ومليلية المحتلتين فقد أصبحت أشبه بملف محفوظ في خزانة قديمة كلما حاولت مدريد إغلاق الباب عليه خرجت منه ورقة جديدة مرة من الاقتصاد ومرة من الحدود ومرة من الهجرة ومرة من التجارة ومرة من الأمن ومرة من الاحتجاجات وفي كل مرة يعود السؤال نفسه هل يمكن تجاهل الجغرافيا إلى الأبد؟ المغرب من جهته لا يحتاج إلى خوض سباق في التصريحات كل صباح يكفيه أن ينظر إلى الخريطة فالجغرافيا أكثر صبراً من السياسة والتاريخ أطول عمراً من البيانات الحكومية والواقع الجغرافي لا يمكن تغييره بمجرد إعادة صياغة العناوين في نشرات الأخبار ولعل أكثر ما يثير السخرية في الخطاب الإسباني هو تلك الثقة المفرطة في تقديم ملف سبتة ومليلية وكأنه صفحة مغلقة إلى الأبد بينما الواقع يصر في كل مرة على فتحها من جديد فلو كان الملف هادئاً ومحسوماً فعلاً فلماذا كل هذا القلق؟ ولماذا كل هذه الإجراءات الأمنية؟ ولماذا تتحول كل أزمة مرتبطة بالمدينتين إلى حالة استنفار سياسي وإعلامي؟أما TVE فقد حصلت هذه المرة على درس ميداني لا يحتاج إلى استوديو للتحليل ليس كل ما تقوله الشاشة يلقى التصديق في الشارع وليس كل رواية إعلامية تنجو من اختبار الواقع والمشهد أمام البرلمان الإسباني يختصر المفارقة كلها صحفي يحمل ميكروفوناً ليشرح للناس ما يحدث ومتظاهرون يوجهون إليه هتافات تتهم الإعلام بالتضليل ثم تتدخل الشرطة لمرافقته وإبعاده عن الحشود وفي الخلفية تبقى سبتة السليبة حاضرة وكأنها تقول لمدريد يمكنكم تغيير العناوين كل يوم لكنكم لن تستطيعوا تغيير موقعها على الخريطة وهكذا تحولت سبتة من قضية تحاول مدريد إبقاءها داخل إطار الخطاب الرسمي إلى سؤال يتسلل شيئاً فشيئاً إلى النقاش العام داخل إسبانيا نفسها أما المغرب فلا يحتاج في هذه المسرحية الطويلة إلى أكثر من مقعد في الصفوف الخلفية يراقب المشهد ويترك للزمن مهمة كشف ما عجزت البيانات عن إخفائه حين تصبح وسيلة إعلام رسمية موضع انتقاد مباشر في قلب مدريد وحين يصل الغضب المرتبط بسبتة إلى أبواب البرلمان الإسباني فإن المسألة لم تعد مجرد خلاف حول تغطية صحفية بل أصبحت مناسبة لطرح سؤال أكبر حول الرواية التي تقدمها مدريد عن المدينتين المحتلتين وحول مدى قدرتها على إقناع الرأي العام بها وربما آن الأوان لمدريد أن تجرب وصفة جديدة بدلاً من وصفة جعل المغرب كبش فداء جاهزاً لكل أزمة فقد تكون المشكلة للمفارقة أقرب مما تتصور داخل الخطاب نفسه داخل السياسة نفسها وداخل تلك القناعة القديمة التي تقول إن بإمكانك أن تقنع الناس بالكثير ما عدا الجغرافيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى