من صحراء القرار الأمريكي إلى أبواب سبتة ومليلية واشنطن تعيد رسم خرائط النفوذ وتكرّس التحول التاريخي لصالح المغرب

في أواخر أبريل 2026 وبين الصفحتين 86 و87 من مشروع ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية للسنة المالية 2027 أدرجت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي عبارة غير مسبوقة في وثيقة رسمية تتعلق بسبتة ومليلية المحتلتين جاء فيها أن اللجنة تلاحظ أن المدينتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية سبتة ومليلية تقعان في أراضٍ مغربية ولا تزالان محل مطالبة قديمة من طرف المغرب ورغم أن هذه الصياغة لا ترقى إلى مستوى القانون لكونها تندرج ضمن ما يُعرف في واشنطن بتقارير اللجان المرافقة للميزانيات فإن دلالتها السياسية تبقى عميقة باعتبارها توجيهاً عملياً لسياسات الإنفاق والدبلوماسية الأمريكية وهو ما يمنحها وزناً يتجاوز طابعها التقني داخل مؤسسات القرار في الكابيتول ويعد صاحب هذه الصياغة النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا ماريو دياز بالارت نائب رئيس لجنة الاعتمادات ورئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي وأحد أبرز الفاعلين في هندسة التمويل الدبلوماسي الأمريكي إضافة إلى قربه من ماركو روبيو ما يمنحه تأثيراً مباشراً في توجيه توجهات السياسة الخارجية داخل الكونغرس وكان دياز بالارت قد صرح قبل أسابيع من صدور التقرير بأن سبتة ومليلية ليستا ضمن المجال الجغرافي لإسبانيا بل تقعان داخل الأراضي المغربية مشيراً إلى أن مستقبل المدينتين موضوع نقاش بين الحلفاء في إشارة تعكس تحولاً تدريجياً في بعض دوائر القرار الأمريكية تجاه هذا الملف بما ينسجم مع إعادة قراءة واقعية للمعطيات التاريخية والجغرافية كما تضمن التقرير توصيات واضحة بتخصيص ما لا يقل عن عشرين مليون دولار لفائدة المغرب في إطار برنامج التمويل العسكري الخارجي إلى جانب مبالغ مماثلة ضمن برامج الاستثمار الأمني في مؤشر إضافي على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن وتثمين الدور المغربي كشريك موثوق في استقرار المنطقة ولفهم هذا التحول لا بد من العودة إلى العاشر من دجنبر 2020 حين أعلن دونالد ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء المغربية مقابل تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل ضمن اتفاقيات أبراهام التي أشرف على التفاوض بشأنها جاريد كوشنر وآفي بيركوفيتز وهو القرار الذي أعاد رسم جزء مهم من موازين القوى الإقليمية والدولية وبعد خمس سنوات بدأ نفس المنطق الواقعي ينعكس تدريجياً على ملف سبتة ومليلية حيث برزت داخل مراكز التفكير الأمريكية ومن بينها معهد مؤسسة المشروع الأمريكي أطروحات للباحث مايكل روبين تدعو إلى مقاربة جديدة تعيد الاعتبار للمعطى التاريخي والجغرافي مع استحضار رمزية المسيرة الخضراء كنموذج للتحولات السلمية الكبرى في ظل تغيرات عميقة تعرفها البيئة الاستراتيجية الدولية ورغم الجدل القانوني والسياسي الذي يحيط بهذه الطروحات فإن تداولها داخل أروقة الكونغرس ساهم في إدخال الملف إلى دائرة النقاش السياسي الجدي داخل واشنطن في سياق يعكس إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي بعيداً عن المقاربات الجامدة التي سادت لعقود كما يرتبط هذا التحول بتداعيات التوتر الأمريكي الإسباني على خلفية الموقف من العمليات العسكرية المرتبطة بإيران بعد رفض مدريد بقيادة بيدرو سانشيز استخدام قواعدها العسكرية وهو موقف عمّق التباين مع واشنطن خاصة بعد تأكيد وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس القرار بشكل رسمي وقد ترافق ذلك مع ردود فعل أمريكية قوية شملت تهديدات اقتصادية وتسريبات حول نقاشات داخل البنتاغون بشأن مستقبل مشاركة إسبانيا داخل حلف شمال الأطلسي رغم عدم وجود آلية قانونية واضحة داخل الحلف لتفعيل مثل هذا السيناريو ما يعكس حجم التوتر السياسي أكثر من كونه قراراً مؤسسياوفي 13 مارس 2026 تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من بينهم تيد كروز بمشروع قانون يهدف إلى تصنيف ما يسمى بجبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية بسبب تعاونها مع إيران في تطور يعكس بداية انهيار السرديات التي حاولت لعقود تزييف طبيعة هذا الكيان وتقديمه كحركة سياسية بينما تتكشف اليوم داخل أروقة القرار الأمريكي نفسه ملامح ارتباطاته بشبكات إقليمية تهدد الأمن والاستقرار وتضعه في خانة الأدوات الوظيفية في صراعات عابرة للحدود ويأتي هذا التحول ليؤكد أن الزمن السياسي الذي كانت فيه البوليساريو تتغذى على خطاب الانفصال والدعاية الخارجية قد تلاشى فعلياً أمام مقاربة دولية جديدة أكثر صرامة وواقعية تنقل الملف من دائرة الشعارات الإيديولوجية إلى خانة التقييم الأمني الصرف بما يفرض مساءلة حقيقية لكل الجهات التي وظفت هذا الكيان أو تسترت عليه تحت غطاء إنساني أو سياسي في وقت يترسخ فيه إجماع متزايد على أن وحدة المغرب الترابية ليست موضوع نقاش بل حقيقة تاريخية وجغرافية وقانونية تفرض نفسها على موازين القوى الدولية وفي سياق موازٍ أشار تحليل نشره موقع ينيت العالمي إلى توجه إسرائيل نحو دعم الموقف المغربي في ملف سبتة ومليلية في امتداد طبيعي للتقارب الاستراتيجي الذي تعزز بعد اتفاقيات الصحراء وهو ما يرسخ تلاقي المصالح بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في ملفات الأمن الإقليمي والدفاع ورغم عدم صدور أي موقف رسمي أمريكي يغير الوضع القانوني القائم للمدينتين فإن تداخل ثلاثة مسارات متزامنة تشمل تقارير الكونغرس ومبادرات تشريعية في مجلس الشيوخ وتحليلات مراكز التفكير يعكس تصاعداً تدريجياً في الضغط السياسي المرتبط بالملف بما يفرض إعادة قراءة دقيقة لموازين التأثير داخل القرار الأمريكي ويؤشر هذا التحول إلى أن ما كان خارج دائرة النقاش قبل عام 2023 أصبح اليوم جزءاً من وثائق ومداولات داخل الكونغرس الأمريكي في وقت تتعزز فيه مكانة المغرب كشريك استراتيجي موثوق قادر على التفاعل الإيجابي مع التحولات الدولية مقابل تراجع نسبي في قدرة الأطراف الأخرى على فرض سردياتها التقليدية وفي هذا السياق يبرز المغرب اليوم كفاعل إقليمي يحصن وحدته الترابية بخيارات دبلوماسية متوازنة ورؤية استراتيجية واضحة في مواجهة محاولات التشويش التي تقودها أطراف معروفة بعدائها التاريخي للوحدة الوطنية والتي تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي جديد يتشكل تدريجياً لصالح مقاربة مغربية واقعية تحظى بامتداد متزايد داخل دوائر القرار الدولية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى